فخر الدين الرازي
340
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والجواب : ليفيد أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع ، ولذلك أكده بالباء المؤكد للنفي . ثم قال تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 29 ] إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ( 29 ) وفيه سؤالان : الأول : كيف يعقل أن يبوء القاتل بإثم المقتول مع أنه تعالى قال : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى * . [ فاطر : 18 ] . والجواب من وجهين : الأول : قال ابن عباس رضي اللَّه عنهما وابن مسعود والحسن وقتادة رضي اللَّه عنهم : معناه تحمل إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي ، وهذا بحذف المضاف ، والثاني : قال الزجاج : معناه ترجع إلى اللَّه بإثم قتلي وإثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك . السؤال الثاني : كما لا يجوز للإنسان أن يريد من نفسه أن يعصي اللَّه تعالى فكذلك لا يجوز أن يريد من غيره أن يعصي اللَّه ، فلم قال : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ . والجواب من وجوه : الأول : قد ذكرنا أن هذا الكلام إنما دار بينهما عندما غلب على ظن المقتول أنه يريد قتله ، وكان ذلك قبل إقدام القاتل على إيقاع القتل به ، وكأنه لما وعظه ونصحه قال له : وإن كنت لا تنزجر عن هذه الكبيرة بسبب هذه النصيحة فلا بدّ وأن تترصد قتلي في وقت أكون غافلا عنك وعاجزا عن دفعك ، فحينئذ لا يمكنني أن أدفعك عن قتلي إلا إذا قتلتك ابتداء بمجرد الظن والحسبان ، وهذا مني كبيرة ومعصية ، وإذا دار الأمر بين أن يكون فاعل هذه المعصية أنا وبين أن يكون أنت ، فأنا أحب أن تحصل هذه الكبيرة لك لا لي ، ومن المعلوم أن إرادة صدور الذنب من الغير في هذه الحالة وعلى هذا الشرط لا يكون حراما ، بل هو عين الطاعة ومحض الإخلاص . والوجه الثاني في الجواب : أن المراد : إني أريد أن تبوء بعقوبة قتلي ، ولا شك أنه يجوز للمظلوم أن يريد من اللَّه عقاب ظالمه ، والثالث : روي أن الظالم إذا لم يجد يوم القيامة ما يرضي خصمه أخذ من سيئات المظلوم وحمل على الظالم ، فعلى هذا يجوز أن يقال : إني أريد أن تبوأ بإثمي في أنه يحمل عليك يوم القيامة إذا لم تجد ما يرضيني ، وبإثمك في قتلك إياي ، وهذا يصلح جوابا عن السؤال الأول واللَّه أعلم ، ثم قال تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 30 ] فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 30 ) ثم قال المفسرون : سهلت له نفسه قتل أخيه . ومنهم من قال شجعته ، وتحقيق الكلام أن الإنسان إذا تصور من القتل العمد العدوان كونه من أعظم الكبائر ، فهذا الاعتقاد يصير صارفا له عن فعله ، فيكون هذا الفعل كالشئ العاصي المتمرد عليه الذي لا يطيعه بوجه البتة ، فإذا أوردت النفس أنواع وساوسها صار هذا الفعل سهلا عليه ، فكأن النفس جعلت بوساوسها العجيبة هذا الفعل كالمطيع له بعد أن كان كالعاصي المتمرد عليه . فهذا هو المراد بقوله فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ قالت المعتزلة : لو كان خالق الكل هو اللَّه تعالى لكان ذلك التزيين والتطويع مضافا إلى اللَّه تعالى لا إلى النفس .